عيد بلا جمهورية .. في جمهورية الورق

عيد بلا جمهورية .. في جمهورية الورق

مرت أمس مناسبة الذكرى الخمسين لإعلان قيام جمهورية في تونس والموافق ليوم 25 جويلية 1957, كأول منجز بعد حوالي عام من إستقلال تونس بعد جلاء الإستعمار الفرنسي عن البلاد التونسية . تعود الذكرى الخمسين لهذا الحدث باهتة ومفرغة من أي معنى فقد أصبح الحدث صوري وجب التخلص منه إن لم يقع تصحيحه على الأرض , فالجمهورية التى يُحتفل بها اليوم في تونس هي على الورق أما في واقع الحال فإنها غير موجودة وتطبيقاتها على أرض الواقع منعدمة تماما بل إن نقيضها هو السارى به العمل . فقد تحولت الجمهورية المزعومة إلى نظام شمولي دكتاتوري ليس له من القيم الجمهورية أي مقوّم

إن القيم الجمهورية التى يدعى النظام الحفاظ عليها والعمل بها , ألغاها . إن من أركان النظام الجمهوري هو سيادة الشعب في إختيار من يحكمه ويتولى شؤونه , فهل إلتزم النظام القائم في تونس بذلك ؟! .. طبعا لا , على العكس فقد كرس فرض الأمر الواقع الذى أحدثه إنقلاب 7 نوفمبر والذى أعطى النظام شرعية الإنقلاب , ولم يعد نظام الإنقلاب إلى تحكيم الشعب التونسي بحرية وبنزاهة وفي ظل تنافس المترشحين في إختيار رئيس للبلاد , ليكون إختيارا شعبيا حرا يقطع مع فوز المترشح قبل التصويت أصلا وبالنسب المائوية الخيالية والتى تجاوزت التسعين في المائة في كل المهرجانات الإنتخابية . إن النظام الحالي في تونس وريث النظام البورقيبي – وهو ما يمكن أن نسميه بالبورقيبية – الذى سن قانون الحكم مدى الحياة الذى ألغاه بن علي لاحقا ثم تراجع عنه في شكل التنقيحات الدستورية القسرية , والتى أصبحت تجيز للمترشح الرئاسي الترشح مرات كثيرة حتى أصبحت شكلا قانونيا متحايلا يحقق رئاسة مدى الحياة . وحتى في الإنتخابات المحلية والتشريعية التى وقعت على مدى تاريخ طويل في تونس " الجمهورية " هي إنتخابات صورية معلومة النتائج والطرف الوحيد الفائز فيها هو الحزب الحاكم الذي لا يخجل من التغنى بقيم الجمهورية وهو مارق عنها ولا يراعي فيها سطرا قانونيا واحدا . لقد زور النظام القائم إرادة الشعب التونسي في كل الإنتخابات التى أجراها على مدى تاريخه الذى إستمر عقودا , هذه الإنتخابات التى لم تتحقق لها ظروفها المطلوبة قبل إجراءها وإثناء التصويت في يوم الإقتراع , ففى الإنتخابات الرئاسية المتكررة كان المرشح الأول هو بن على الذى لا يشك أحد أنه سيكون هو الفائز , وحتى الذين سُمح لهم بالترشح معه في بعض المناسبات هم تتمة للديكور الإنتخابى الذى أصبح النظام لا يحسن حتى إخراجه , وما النتائج الفلكية التى يحققها رأس النظام والحزب إلا الدليل على ذلك . نتائج الإقتراع في الإنتخابات المحلية والتشريعية لا تشذ عن القاعدة , ففي كل إنتخابات منذ الإستقلال إلى اليوم يكتسح الحزب الحاكم نتائجها وتتحقق له السيطرة على البلديات في كامل تراب البلاد ويحصد كامل مقاعد البرلمان ويبقى الإستثناء البسيط هي تلك المقاعد التى يمنحها النظام لأناس موالون له كي يقع التمويه " الديمقراطي " للقول بوجود تعدد داخل الهيئات المنتخبة . إن الأجواء التى تجرى فيها كل إنتخابات في تونس هي إستنفار كل مؤسسات الدولة ومقدرات البلاد لخدمة الحزب الحاكم , وتمارس فيها كل أشكال الترهيب والترغيب والتزوير من أجل الوصول إلى النتيجة المطلوبة وهي إحتفاظ الحزب الحاكم بمقاليد البلاد , ولم يتخلى هذا الحزب يوما عن أساليبه الرخيصة والمتخلفة في دفع الناس كل الناس إلى التصويت لصالحه ولعل الإبتزاز والترهيب عنوان أي إستحقائق إنتخابي الذى تحول من إستحقاق وطني إلى إستحقاق حزبي صرف . لقد شطب النظام إرادة الشعب التونسي عبر الإقتراع على من يحكمه وبذلك شطب أبرز ركن من أركان النظام الجمهورى الذى قبره بيديه ويسير فى جنازته كل سنة حتى تحول المأتم إلى عرس صاخب

من بين المقومات البارزة للنظام الجمهوري هو سيادة القانون , وهي لعمرى قيمة غائبة في تونس اليوم , ذلك أن العدالة تتولاها فلول البوليس التى إمتدت أيديها إلى كل شيىء دون رادع من قانون يلجم تصرفاتها . دولة القانون والمؤسسات التى ما فتىء النظام يتغنى بها هي وهم متبدد لا توجد إلا في خطابه الإعلامي الذى يوجد الغائب ويغيب الموجود . لقد غاب قانون العدالة وحضرت قوانين الظلم والإستبداد فحدثت ممارسات ليست من العدل في شيىء , وتدخلت السلطة في توجيه المحاكمات وبرمجة الأحكام وعملت المحسوبية والرشوة والتزلف والولاء للحزب والنظام فعلها في تسيير شؤون الناس حتى أصبحت بطاقة الإنخراط في الحزب الحاكم الورقة الرابحة في أي معادلة وفي كل المعاملات وهي اليوم بمثابة إحدى الوثائق الرسمية كبطاقة الهوية وجواز السفر ومضمون الولادة . فهذا إذن ركن آخر من أركان النظام الجمهوري كتمت أنفاسه الدولة

لعل الفصل بين السلطات هو أحد أهم أركان النظام الجمهورى أيضا , فهل عمل بمقتضاه النظام الحالى في تونس , والذى ينسب نفسه إلى القيم الجمهورية ؟ .. لا أثر لهذه القيمة على أرض الواقع , ذلك أن السلطات الثلاثة , وهي السلطة التشريعية , والسلطة التنفيذية , والسلطة القضائية بيد شخص واحد ألا وهو رئيس الدولة وليس لأحد منها إستقلال عنه . فهو الذى يعين القضاة ويعزلهم ويمنحهم الترقيات , فالسلك القضائي هو تحت سلطة الرئيس الذى هو رئيس السلطة التنفيذية وهو ما يجله القاضى والمتقاضي أي الخصم والحكم في آن واحد , خاصة في القضايا السياسية والتى تكون الأحكام الصادرة فيها مبرمجة وموجهة , كما أن ظروف التقاضي النزيه لا تتوفر في المحاكمات إضافة إلى الخروقات الفاضحة التى تنتهك حقوق المتهم . أما السلطة التشريعية فهي شكلية لا يتعدى دورها ضبط رقصاتها على عزف آمرها والمتحكم فيها وهو رئيس الدولة الذى إستجمع كل السلطات بلا أي رقيب

إن صيانة حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة هي الأخرى أحد أركان النظام الجمهوري , فأين هي يا ترى في تونس بن على ؟ .. بالتأكيد لا أثر لها ! فالدولة صادرت كل شيء حتى حق الإختلاف معها , ولم تحفظ حقوق وأمن وسلامة مواطنيها والتى أصبحت تعاملهم كعبيد وليس كرعايا لهم حقوق لا يجوز إنتهاكها أو العبث بها . لقد حاربت الدولة في تونس أبسط الحقوق التى لا يعقل المس بها ومنها حرية التنقل وحرية العمل وحرية السفر وحق السكن وحق التداوي وحق التعلم وحق الحياة وحرمة الإعتداء على الجسد وعدم المس بالكرامة الإنسانية وغيرها من الحقوق الطبيعية التى ديست بالأحذية من قبل النظام الذى يدعي إنتسابه إلى قيم الجمهورية

تلك أهم أركان قيم الجمهورية وغيرها من عناصر الحكم والدولة الجمهورية منقوضة العرى في تونس , لذلك فإنه ليس لدينا في البلاد نظام يستند إلى " القيم الجمهورية " وإنما نظام يستند إلى قيم أخرى كلها جور وإسبداد وهذا ما يجعلنا نعيد النظر في مناسبة جـ25 ـويلة من كل سنة نحو إلغائها تماما أو إعادة تأهيلها … وتصبحون على جمهورية

Cet article a été publié dans Non classé. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s