الإستبداد في لباس ديمقراطي .. سلوك علماني متطرف

بسم الله الرحمان الرحيم
الإستبداد في لباس ديمقراطي .. سلوك علماني متطرف
 
يُنصِب بعض العلمانيين أنفسهم أوصياء على الديمقراطية أو ما يحيل عليها من حقوق وحريات وكأن أمهاتهم ولدتهم ديمقراطيين أو أنهم قدموا إلى المجتمع من " محميات ديمقراطية طبيعية " , وهو موقف غريب لا يتوافق مع أبسط مفاهيم الديمقراطية في إحترام آراء الآخرين ومراعاة وجهة نظرهم بل وحقهم في الإختلاف مع هذه الحراسة الفكرية التى يمارسها بعضهم , وخاصة من يتبنى منهم إتجاها راديكاليا في العلمانية لا ترى الديمقراطية إلا قرينة الإلحاد ومحاربة الدين , وهذة الفئة تنكر على الإسلاميين وجودهم السياسي والفكرى في مجتمعهم العربي الإسلامي في حين لا ترى أي غضاضة في إمتدادها الفكري  مع مدارس فكرية مندثرة أو تكاد ليس لها تاريخ يربطها بالديمقراطية ولا حتى بالمجتمع الذى تعيش فيه

تسعى هذه الفئة التى عجزت عن المصالحة مع محيطها ومجتمهعا وبقاءها في برجها الفكري العاجي أن تنبش عن مفردات ومعاني تتمعش منها لتصور نفسها في صورة الضحية المضطهدة فكريا والمهددة من قبل تيار أجازت في حقه كل المفردات التى تحيل على التخلف والرجعية الفكرية والسياسية وكتبت في حقه ما يشبه المدونات والمسودات المسهبة التى نظّرت لإضطهاده وإستباحته فقتل منه من قتل وسجن من سجن وشرّد من شرد , في حين تبحث هذه الفئة على مجرد كلمات في بعض النصوص الغير مرجعية للإسلاميين كي تستخرج منها مصطلح التكفير أو ما معناه , وهذه قضية طالما إستنجد بها بعض العلمانيين المتطرفين  ليعزفوا على وترها و ليصوّروا أنفسهم أنهم  أبطال التنوير والتقدمية في مواجهة تيارا جوّزوا في حقه كل نقيصة , وهي الخطوة التى تسبق إضطهاده تحت شعارات شوفينية مثل شعار : لا حرية لأعداء الحرية , ولعل القاموس العلماني في الشتم السياسي والفكرى للتيار الإسلامي أصبح يعكس ثقافة متأصلة لدي العلمانيين المتطرفين فكريا وسياسيا حتى تحول إلى عقدة لديهم , ولم ينىء بنفسه عن ذلك إلا بعض العلمانيين الذين تصالحوا شكليا مع الهوية الإسلامية لبدهم وأمتهم

إن السؤال الغائب أو المغيب من قبل هذه الفئة هو إذا ما كان من الممكن أن يتحقق الإصلاح السياسي المنشود في البلاد من دون وجود التيار الإسلامي ؟ .. قد لا يتورع هؤلاء عن الإجابة عن السؤال بالإيجاب وهو ديدنهم في إقصاء تيار سياسي عريض في الشارع , ويبدو أن تونس بقيت الإستثناء في ذلك ونخبها العلمانية من دون تعميم ما تزال تصر على السير في الطريق المسدود والهروب إلى الأمام ولعل سلوك السلطة هو جزء من هذا التوجه لدي الفئة العلمانية الراديكالية

بقيت تونس الإستثاء الشاذ الوحيد اليوم من بين كل العالم العربي والإسلامي  ,  يقصى فيها التيار الإسلامي ولا يسمح له بالتواجد القانوني ولا حتى بالتواجد الرمزي وهذا يعود بداية إلى تأصيل فكري علماني يكفر سياسيا وفكريا الإسلاميين ويمنعهم من الوجود ويستعمل في سبيل ذلك كل الوسائل الغير قانونية والغير شرعية كالإعتقال والتعذيب والقتل والإستهداف الأمني الشامل . من المحيط إلى الخليج يتاح للتيار الإسلامي المشاركة السياسية وتشكيل هيئات وأحزاب وجمعيات والمشاركة في الإنتخابات وإصدار الصحف والمجلات ومعارضة السلطات بالرغم من أن بعض تلك الدول تشهد تجاذبات سياسية وحتى أمنية بين الحكم وبعض فصائل العمل الإسلامي ولكن لم تتذرع تلك الأنظمة الغير ديمقراطية بشهادة العلمانيين أنفسهم بأي حجة حتى وإن كانت حقيقية لمصادرة حق الإسلاميين في الوجود كغيرهم من التيارات السياسية والفكرية الأخرى

 بالعودة إلى المحيط الجيوسياسي التونسي لا نجد أي قطر من أقطار المغرب العربي تتسلط فيه المظالم على التيار الإسلامي كما هو حاصل في بلادنا مع الأسف , حتى ليبيا القذافي التى ترفع شعارات تمنع مخالفة " الثورة " أقدمت على خطوات جدية في المصالحة مع إسلامييها من مثل إلغاء أحكام بالإعدام وتسريح أصحابها وإعادة الممتلكات التى صودرت خلال الفترة الماضية إلى مالكيها , وأيضا إعادة الكثير من المفصولين عن العمل إلى وظائفهم ودعوة المغتربين إلى العودة إلى وطنهم بضمانات من طرف واحد من قبل السلطات الرسمية بأن لا يتعرض لهم أحد , وقد نقل لي أحد الإخوة الليبيين أن تعليمات صارمة صدرت للأمن الليبى بحسن معاملة الوافيدين إلى زيارة وطنهم وقد تحققت لأحدهم العودة بعد أكثر من 30 عاما من الغياب عن البلاد وكان متهما بتهم خطيرة أعدم بسببها بعض أفراد أسرته وقد عاد مجددا إلى موطن هجرته دون أن يتعرض إلى أي مضايقة أو أذى

يتحول بعض العلمانيين إلى مربع آخر لا يقل خطورة على الديمقراطية التى يعلقون عليها غوغائيتهم وهو التحالف مع الدكتاتورية ليتحولوا إلى جلادي العصر سياطهم تنضح ديمقراطية  في توزيع العذاب على خصومهم الفكريين الذين عجزوا على مقارعتهم في ساحة العمل الميداني سواءا في السياسة أو في سواها فإستعانوا بالإسبداد للإستقواء به عليهم , وهو ما يجعلهم غير مؤهلين للحديث عن الديمقراطية الفكرية والسياسية بعد أن مارسوا الإسبداد في أبشع صوره . لقد إندس الكثير من العلمانيين المتطرفين في أجهزة الدولة خلال العقدين الماضيين ليسوموا الإسلاميين التعذيب والقمع وليعبّروا بصريح عباراتهم أن مهمتهم هي القضاء على التيار الإسلامي في البلاد وهي المهمة التى لم تتحقق لهم

من حق التيار الإسلامي في تونس وبهويته السياسية والفكرية الإسلامية أن يتواجد على ساحة العمل السياسي في تونس وهو حق مكتسب مهما طال الزمن لا يحق للسلطة وللعلمانيين المتطرفين سواء كانوا من داخل النظام أو من خارجه ممارسة المنع ومصادرة هذا الحق تحت تبريرات لا تخدم إلا الإستبداد وإطالة أمده على البلاد والعباد , وما لم يتواجد التيار الإسلامي على ساحة العمل السياسي فإنه لا أمل في تحقيق إصلاح سياسي وهذا ما يزكيه الواقع 

  

Cet article a été publié dans Non classé. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s