نحو إكراهنا في ديننا ومعتقدنا – هل هي حرية المعتقد أم إكراه في المعتقد؟

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"
 

نحو إكراهنا في ديننا ومعتقدنا .. هل هي حرية المعتقد أم إكراه في المعتقد؟
محمد شمام (*)

توطئــة: من ميثاق المرحلة الانتقالية لحركة النهضة

    قبل تسوية مشكل 8 مارس في شأن المرأة والمساواة، يتم إقحام قضية جديدة من نفس نوعيتها، وبطريقة مستعجلة ومسقطة لدرجة تدعو للتساؤل. وهذه القضية الجديدة هي قضية حرية المعتقد التي أصدرت فيها هيئة اكتوبر بيانها الأخير يوم 18/10.
   وقبل تناول هذا النص، يحسن بنا إيراد بعض المقاطع من ميثاق المرحلة الانتقالية لحركة النهضة التي لها صلة مباشرة بموضوعنا هنا وهي التالية :
 

المقطع الأول: الإيمان والاستقامة 
 

   إنها لمعادلة صعبة أن يجمع المرء بين العمل السياسي في عصرنا وبين الإسلام. لأن العمل السياسي يحمل في داخله مجموعة ضغوط ونوازع وإجراءات تدفع بالمرء إلى ركوب مراكب المناورة أو الكذب أو النفاق أو الانتفاع، بل أصبح شائعا فيما بين كثير من العلمانيين أن السياسة والمبدأ لا يجتمعان، أو لا ينبغي لهما أن يجتمعا. إذا اجتمعا استخدم المبدأ قناعا، بينما تقتضي المهارة السياسية أن تفكر وتمارس وفق مقتضيات مصلحتك وما يتطلبه منك ميزان القوى فتأتي بكل ما يخدم هذا ويلبي ذاك، وتقول كل ما يخدم هذا ويلبي ذاك ضاربا عرض الحائط بكل التزام مبدئي أو أخلاقي.
   ولقد دلت تجربة العمل السياسي عامة وتجربتنا وخاصة في المراحل الأخيرة من الأزمة عن إخلال في هذا الجانب تقتضي التنبه والوقوف الحازم مع النفس. إن السياسة بلا مبدئية ولا أخلاقية إسلامية لا نفع منها للأمة والإسلام، بل هي عندئذ سم زعاف وتركها خير من التلون بلونها، فالذين يسلكون طريق الإسلام في جهادهم أو يخوضون غمار السياسة استنادا إلى الإسلام يجب أن يسهروا على تربية أنفسهم تربية إسلامية عقيدة وإيمانا عبادة وعملا، منهاجا وأخلاقا. فالصدق مع الله والصدق مع النفس والصدق مع الناس مما يمنع الانفصام في الشخصية في موقف الفرد والجماعة. فالصدق هنا لا يجعلك تفعل ما تخجل به أمام الذي لا يخفى عنه شيء" قل إن تبدوا ما في صدوركم أو تخفوه يعلمه الله" ( آل عمران 29 )، أو تخجل به ومنه أن يعرف ويخرج إلى العلن. والصدق هنا يتطلب أن نروض أنفسنا على الاستقامة حتى يصح الإيمان والعمل، ولقد جاء في رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" هنا الصدق النية ينزل بمنزلة العمل نفسه حتى لو لم يتحقق العمل. ويقول الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( الأحقاف 13). وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " قل آمنت بالله ثم استقم"( مسلم). فإذا كان الإيمان شرط الاستقامة فالإيمان لا يقوم بلا استقامة.
  أن يكون المؤمن مستقيما في إيمانه مستقيما في مواقفه مستقيما في مسلكه وأخلاقه، أن يكون مستقيما في التعامل، أن يكون مستقيما ظاهرا وباطنا في شؤون العمل الإسلامي والحركي، ليس بالأمر الهين ولكنه مما يشترط توفره في العاملين للإسلام وفي حقل دعوتنا ولدى العناصر الأبرز فالأبرز.” (الميثاق الداخلي ص4)
 

المقطع الثاني: التزام الحق والحقيقة

    "إن في عالم الدعوة والسياسة مجال واسع للتطفيف في الميزان والبخس بالكيل… ذلك أن الروح الحزبية والفئوية والاعتداد بالأنا الفردية نزعات مهيأة دائما بأن تعمي عن رؤية الحقائق بسبب حرصها على الحزب أو الفئة أو الشخص أكثر من حرصها على تحري الحق والحقيقة…
    فالجماعة التي تلتزم التقوى وتجعل أقوالها متطابقة وأفعالها، وتحرص على العدل والقسط مع العدو والخصم كما مع النفس والصديق والحليف، هي القادرة على التماسك والوحدة وبناء التنظيم القوي والإسهام في توحيد صفوف المسلمين وتحقيق الآمال. أما التماسك والوحدة إذا قاما على تضارب بين الإسلام والممارسة العملية في الدعوة والسياسة والشؤون التنظيمية المختلفة، فنتائجها وخيمة في الدنيا والآخرة.” (الميثاق الداخلي ص 5 و6)

المقطع الثالث: لا لتمييع الخطاب واختزاله

  "خطاب الحركة ينبغي أن يكون من صنف البلاغ المبين " وما على الرسول إلا البلاغ المبين"، فمتى كان بلاغنا مبينا واضحا قويا مقنعا استسلمت له نوس أبناء الحركة والمسلمون، ولانت له القلوب، وخضعت له العقول. ومتى كان غير مبين وغير مقنع فلن تنفع شرعية الجهة الصادرة عنها، ولا رمزيتها…
   ولقد اختزل خطاب الحركة في السنوات الأخيرة في بعدين: أولا البعد التنظيمي، وثانيا البعد السياسي باحتشام ودون مضمون جديد، وهذا نقص وخطأ. نقص لأن الخطاب الإسلامي أشمل من ذلك بكثير، وخطأ لأن المرحلة تقتضي التركيز على الأبعاد الأخرى وخاصة الأبعاد الدعوية والروحية والتأصيلية لأنها الركن المتين الذي تعود إليه الحركة لاستمداد قوتها وتجددها، وخاصة بعد الاهتزازات الأخيرة …” (الميثاق الداخلي ص 5 و6)
تمهيـــــــــد: من المواثيق الدولية
 
    ورد في البيان: "الالتزام بالمواثيق الدولية المتعلقة بحرية الضمير والمعتقد وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 وإعلان الأمم المتحدة الصادر في 25 نوفمبر 1981 »، مما يعني أن هذه المواثيق الثلاث هي مرجعية هذا البيان، وأن حرية المعتقد وحقوق الإنسان هي بمفهوم ومضمون هذه المرجعية. وهذا يفرض ضرورة الاطلاع عليها وفهمها . وسنكتفي هنا بترجمة جزء من إعلان الأمم المتحدة الصادر في 25 نوفمبر 1981 وهوالديباجة ثم البنود الثلاثة الأولى :
الديباجة:
          إن من أهداف الأمم المتحدة المذكورة في نص الإعلان عن القضاء على كل أشكال  عدم التسامح  والتمييز المستندة على الدين والقناعة – وهنا الترجمة للنص الأصلي هي القناعة وليست الضمير  ( la conviction ) – والمعلن عنها من الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ25 نوفمبر1981 تحت اتفاقية رقم 36 / 55، أن تتحدث عن الانسجام مع مبادئ الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وأن تؤكد على تنمية وتشجيع الاحترام الفعلي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية لجميع الناس دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين،
وعلى أساس المواثيق والاتفاقات والنصوص الحقوقية المعتمدة، تنص هذه الوثيقة على عدم التمييز والعمل على تحقيق المساواة أمام القانون وحرية التفكير والضمير والدين والقناعة،
واستنادا إلى أن الدين والالتزام بقناعة ما بالنسبة لمن يدعو لها تمثل احدى المكونات الأساسية لتصوراته للحياة وأن حرية التدين أو الالتزام بقناعة ما يتحتم  ضمان احترامها بالتمام والكمال،
تعلن وثيقة الحد من كل أشكال عدم التسامح والتمييز المستندة على الدين أو قناعة ما:
البند الأول:
– الفقرة الأولى:
كل شخص له الحق في حرية التفكير والضمير والدين. هذا الحق يخول للفرد أن يكون له دين أو أية قناعة أخرى من اختياره وكذلك الحرية في الجهر بدينه أو قناعته سواءا كان فرديا أو جماعيا وفي الفضاء الخاص أو العام طبقا لما يستدعيه ذلك من مستوجبات ممارسة الطقوس أو العبادات أو التطبيقات أو التعليم.
– الفقرة الثانية:
يجب أن لا يخضع أي كان إلى اكراه من شأنه المس بحريته في دينه أو أي التزام بقناعة ما حسب اختياره.   
 
– الفقرة الثالثة:
إن حرية ممارسة الدين أو قناعة ما يجب ألا يتم تحديدها إلا بضوابط القانون الضرورية لحماية الأمن العام والنظام العام والصحة والأخلاق أو الحريات  والحقوق الأساسية للآخر.
البند الثاني:
– الفقرة الأولى:
يجب أن ينتفي التمييز من أي كان سواء كان ذلك من الدولة أو الفرد بسبب دينه أو قناعاته الملتزم بها.
– الفقرة الثانية:  ( وهذه هي الخطيرة – المترجم )
ولأهداف هذه الوثيقة فإننا نقصد بـ: عدم التسامح أو التمييز المستند على الدين أو القناعة العميقة: هو كل تفريق ( distinction) أو اقصاء (exclusion) أو تحديد ( rectruction )  أو تفضيل ( referance )  مستند على الإنتماء للدين أو أية قناعة، ولها هدف أو فعل الغاء أوتحديد الاعتراض والتمتع ( jouissance ) أو تطبيق حقوق الانسان والحريات الأساسية على أساس المساواة.
البند الثالث:
   إن التمييز بين البشر لأسباب دينية أو قناعات ( عقدية ) تمثل اعتداءا على الكرامة الإنسانية والتنكر لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ويجب تجريمه والتنديد به باعتباره انتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية المتضمَّنة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والمفصل في المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان كما تمثل حاجزا لعلاقات الصداقة والسلام بين الدول .(انتهت الترجمة الحرفية) 
 
حول بيان هيئة 18 أكتوبر في حرية المعتقد
 
على ضوء ما سبق سنتناول نص بيان هيئة 18 أكتوبر حول حرية المعتقد الصادر في 18 أكتوبر في الفقرات التالية:
هل على الإسلام أن يُطور إلى مستوى ومنطق المواطنة والمساواة بالمفهوم الغربي؟!
هل حقوق الإنسان قيّمة على الإسلام؟!
 هل الإسلام لا يُعد عاملا من عوامل إصلاح الشعب التونسي؟!
هل هو تقاطع أم إكراه في الدين؟!
الإسلام يتقاطع مع دين العلمانية وحقوق الإنسان فيما فيها من خير مع الاختلاف عنها جذريا.
  وفي تاريخنا عبرة.
  الإسلام بين علمانية اليسار وعلمانية اليمين.
 الحل : العدول أو الوضوح.
1 – هل على الإسلام أن يُطور إلى مستوى ومنطق المواطنة والمساواة بالمفهوم الغربي؟!
    ورد في النص:
 نبذ كل تمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو المعتقد باعتبار أن المواطنة عقد يقوم على المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع.
   وهذا يعني أن الأحكام والتشريعات الإسلامية المرتبطة بخصوصية الدين أو بخصوصية الجنس هي أحكام خاطئة ومتخلفة وعلى الإسلام أن يطور إلى مستوى ومنطق المواطنة والمساواة بالمفهوم الغربي كما حددته مرجعية هذا النص.
 
2 – هل حقوق الإنسان قيّمة على الإسلام؟!
    ورد في النص:
وأن عالمية حقوق الإنسان المعبرة عن رصيد الخبرة المكتسبة للإنسانية وثراء تجاربها لا تعني التنميط وإنما تستوعب التنوع وتحترمه.
   وهذا يعني أن حقوق الإنسان عالمية والإسلام  خصوصية، وأن حقوق الإنسان قيمة على الإسلام رغما عن قوله تعالى: « الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديذا من لدنه ويبشر المؤمنين… » (الكهف1و2).
   فإذا ما اعتبرنا أيضا حرية المعتقد بالمفهوم الغربي تصبح خصوصية الإسلام خصوصية فردية ليبقى المجال العام لسيادة حقوق الإنسان أي لدين العلمانية.
    ومن المعروف أن حقوق الإنسان تتضمن مفرداتها العديد من المخالفات الشرعية، وقيومية حقوق الإنسان تقتضي قبول هذه الحقوق من غير احتراز؟. ومثل هذا القبول هو مناقض بوضوح حتى لقرار المؤتمر الأخير الذي  جدّد فيه المؤتمرون "التزام حركة النهضة بالهوية التي حددتها وثائقها السابقة، والتي تعني الاعتماد على المرجعية الإسلامية وما يعنيه من تقيد في جميع تصوراتها ومواقفها بما هو معلوم من الدين بالضرورة مُضمنَّا في النصوص الشرعية القطعية." (البيان الختامي للمؤتمر الثامن لحركة النهضة).
 
3 – هل الإسلام لا يُعد عاملا من عوامل إصلاح الشعب التونسي؟!
    ورد في النص:
لذلك فإن تنزيل المبادئ الكونية لحقوق الإنسان وأحكام الاتفاقيات الدولية يتم في تفاعل خلاق مع الرصيد الثقافي العربي الإسلامي للشعب التونسي ويعد عاملا من عوامل إصلاحه والانتقال به إلى مجتمع حديث يقوم على الحرية وينبذ كل أنواع الوصاية أو الضغط و الإكراه.
   الإسلام هو من الرصيد الثقافي العربي الإسلامي للشعب التونسي، إلا أنه لا يعدّ عاملا من عوامل إصلاحه، إذا لم يعدّ عاملا من عوامل تخلفه. المجتمعات الغربية هي النموذج ومجتمعنا متخلف عنها، عليه أن يلحق بها وبحداثتها، وبتطوير دينه بما يتوافق معها ومع حقوق إنسانها. ومثل هذه الروح هي التي رأيناها في  ورقة 8 مارس في خصوص المرأة، وخلاصتها: المرأة الغربية هي النموذج وامرأتنا متخلفة عنها، عليها أن تلحق بها.
4 – هل هو تقاطع أم إكراه في الدين؟!
    ورد في النص:
أن مواقف الأحزاب والشخصيات الوطنية المنضوية تحت لواء هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات تتقاطع وتلتقي على المبادئ والقيم .
    فهل ما سبق مما يخالف الشرع داخل في هذا التقاطع؟ وحتى نبقى حقا في حدود التقاطع لابد من إعلان أننا مع حقوق الإنسان التي تتقاطع مع الإسلام، وأما ما خالفه فنحن ثابتون على الإسلام مخالفون فيها لحقوق الإنسان. 
   لقد كان الاتفاق في حركة 18 أكتوبر على الالتزام بالحد الأدنى المتفق عليه، وعدم ارهاق أي طرف بأي شيء غير موافق عليه بمنطق الأغلبية ، ولكن الغريب أن هذا قد عُمل به في الجانب السياسي ولم يعمل به في الجانب الايديولوجي والعقائدي.
   وإذا كان الالزام يجوز ويمكن في باب المصالح والقضايا السياسية، فإنه هو من قبيل الإكراه في مجال الأديان والعقائد والايديولوجيات،في مناقضة صريحة مع قوله تعالى:” لا إكراه في الدين…”، وأيضا مع شعار " حرية المعتقد " الذي تدندن حوله هذه الورقة. لقد أكرِهنا في واقعة 8 مارس ويراد إكراهنا هذه المرة أيضا.
   وهكذا نرى أن عنوان البيان انطلق بنا من حرية المعتقد، فإذا به يصل بنا في النهاية إلى نقيضها، وهذا بمنطق الرياضيات غير معقول، بما يعني أن المنطلق خاطئ.
5 – الإسلام يتقاطع مع دين العلمانية وحقوق الإنسان فيما فيها من خير مع الاختلاف عنها جذريا:
 
   إن دين الإسلام ودين العلمانية مختلفان بل هما متناقضان في روحهما ونسقهما ومقاصدهما الأولى  رغم تقاطعهما في الكثير من الفروع والجزئيات. إنه اختلاف مع تقاطع وليس تشابه كما يتوهم البعض. وهذا التقاطع هو مناط الالتباس عند بعض إخواننا، إذ لا يعدو كونه تقاطع في فروع وجزئيات موضوعة في نسقين وروحين متناقضين، إذ لو أخذنا فروعا إسلامية ووضعناها وفق نسق وسياق وروح علمانية لغدت في حقيقتها علمانية وإن بدت ظاهرا وبشكل جزئي إسلامية. ولو أخذنا فروعا من دين العلمانية أو ما يسميه بعض إخواننا الكسب الإيجابي للغرب لن تصبح إسلامية ما لم يتم تفكيكها من نسقها وروحها الأصلية وتركيبها من جديد وفق النسق والروح الإسلامية. إن خطأنا الفادح هو أننا نأخذ تلك الفروع غافلين عن روحها وأنساقها الأصلية المصاحبة والملازمة لها، بل وحتى وإن أخذنا الإسلام كله ووضعناه في سياق ونسق علماني، فإن كان مع إخفاء العلمانية فهو نفاق خالص، ينتفع به صاحبه في الدنيا بما أظهر من الإسلام، ولكن له الدرك الأسفل من النار يوم القيامة بما أبطن من الكفر. وأما إن أظهر العلمانية مع العمل بالإسلام، فهو كافر خالص يعامل معاملة الكافرين في كل المعاملات. لا شك أن عمله بالإسلام له نفعه ومردوده الدنيوي من عدل وأمن وسلامة لأن التشريعات الإسلامية لها مردودها الذاتي الدنيوي.
 
6 – وفي التاريخ عبرة:
 
    يتحدث الشيخ راشد عن اليسار الإسلامي في إطار ماحصل لحركة النهضة من حركة نقدية في آخر السبعينات فيقول:
  "أدت هذه الحركة النقدية إلى تمزيق الجماعة فخرجت عنها مجموعة اسمها:”اليسار الإسلامي". بدأت بنقد سيد قطب ثم الإخوان المسلمين ثم الفكر السلفي عامة، وانتهت إلى الصدام مع النص الإسلامي الأصلي معتقدة ضرورة التمييز فيه بين ما يناسب العصر وما لا يناسبه. ولئن أحدثت هذه الحركة النقدية تمزقا في الجماعة إلا أن النقاش الذي تمخضت عنه كان مفيدا في استعادة الوعي، وفي احياء البعد النقدي في الحركة والتعامل مع هذا الفكر الوافد تعاملا نقديا وليس من موقع التتلمذ والتسليم. إلا أن مجموعة اليسار الإسلامي مضت إلى أبعد من ذلك في النقد إذ اقتربت إلى حد التطابق في محصلة طرحها للفكر المقاصدي من الموقف العلماني البورقيبي في نظرته إلى الشريعة إلا أن الغالبية العظمى من الحركة لئن قبلت في النهاية مبدأ المراجعة والنقد والتطوير فإنها أصرت أن يكون ذلك في إطار النص الديني وسلطة الوحي العليا. أما الذين لم يقبلوا ذلك فقد غادروا الحركة، وما لبثوا أن استوعبتهم إلى حد كبير المؤسسة الحديثة على شروطها.
   "إن الحركة النقدية للوافد المشرقي في تصوري أدت إلى تسهيل عملية التفاعل بين الإسلام والواقع التونسي الذي مضت فيه أفكار الحداثة الغربية شوطا بعيدا، إذ توجب على هذا النمط من التدين عندما اصطدم بقوة مع المجتمع أن يعيد النظر في مقولاته وفي فهمه. بمعنى آخر لقد جرى حوار بين الوافد وبين الواقع التونسي انتهى إلى التسليم بضرورة إعادة النظر في البضاعة الوافدة. ولكن كما أشرت أفرزت الحركة بعد ذلك اتجاهين. كان الاتجاه السائد يقر بالمرجعية العليا للنص، وتاليا يقبل التطور والحداثة سواء التونسية أو الغربية ولكن في إطار ما يطيق النص الإسلامي دون تعسف، لأننا إذا تمردنا على النص لم يبق ما نتمسك به بعد زوال الإطار.
   "أما التيار الثاني فمثلته مجموعة قبلت التطوير دون تقيد بضوابط صارمة وفي النهاية تهمشت هذه المجموعة، واستلم بعض أفرادها مناصب رسمية عليا مع علمانيين عتاة. فوزير التربية الشرفي مثلا، الذي عرف عنه عداؤه الشديد للخيار الإسلامي والذي أوتي به لمصادرة ما تبقى من تدين في مناهج التعليم، كان مستشاره الديني أحد رموز هذا التيار الإسلامي التقدمي. “
 ( من تجربة الحركة الإسلامية في تونس للشيخ راشد الغنوشي)
 
7 – الإسلام بين علمانية اليسار وعلمانية اليمين:
 
    هل ما يحدث الآن لحركة النهضة هو نفسه ما كان من فتنة اليسار الإسلامي، ولكن هذه المرة من جهة اليمين (الغرب الليبرالي)؟ إن الخوف جدي أن يفرز ما يمكن أن يسمى "اليمين الإسلامي".
  وخلاصة ما قال به اليسار الإسلامي، هو نفسه الذي سيقول به اليمين الإسلامي إذا قدر الله بظهوره، وهو تشابه كتشابه حقيقة علمانية اليسار التي ارتبطت بالشرق الاشتراكي، وعلمانية اليمين التي ارتبطت بالغرب الليبرالي. الحقيقة واحدة في هذا وذاك مع اختلاف بين التركيز على الجانب الإجتماعي والجماعية أو جانب الحرية والفردية.
 
8 – الحل : العدول أو الوضوح
    بعد هذا كله هل من حل؟
نعم هناك حلان: حل نحبه، وآخر لانحبه. لا حل إلا بالعدول وإلا فبالوضوح، وكلاهما يحتاج إلى عزم وقوة.
 الحل الأول واضح وهو الحل الأصلي الذي لا يزيد المقبلين عليه إلا خيرية كما قرره الحديث النبوي الشريف: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".
وأما الذين يعرضون ويصرون على المضي، فلا مخرج لهم إلا بواحدة أو أكثر من الثلاث التالية:
    أن يقولوا أنهم في وضع الإكراه – كما تحدث به الشيخ راشد في مقالات له أخيرة عن النموذج التركي (العدالة التركي تجاوز أم تطور،….) – الملجئ للترخص اضطرارا، ترخصا لا يعتبرونه تجاوزا للشرع بل تطورا في فهمهم وتعاملهم مع الشرع ومع الواقع.
   أو يقولوا أن الواقع يحتاج إلى التدرج في التنزيل، أي أن ما يقومون به هو مرحلي وتكتيكي

كما ورد ذكره في إحدى ورقات الشورى (  ندوة8 و9 سبتمبر).

   أو يقولوا أنهم يقومون بهذا من خارج إطار الإسلام كما فعل حزب العدالة والتنمية التركي الذي نأى بنفسه عن الصفة الإسلامية وأكد على صفته العلمانية. وبهذا يمكن أن يصح فيه وصف مسلكه أنه ليس تجاوزا بل هو تطور.
فهل نكون واضحين – على الأقل – حتى لانلبِّس على أنفسنا وعلى التونسيين وعلى الناس عامة دينهم، هذا أولا؟ وثانيا، هل نقبل واحدا من هذه المخارج أم لا؟
وقبل هذا وبعده وفوقه، فقد دلنا الله سبحانه على المخرج الحقيقي، قال تعالى: ”ومن يتق الله يجعل له مخرجا"، "واتقوا الله ويعلمكم الله"، إن هذا المأزق لامخرج منه إلا بتقوى الله وبعلم من عنده سبحانه.
والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين
(*) لاجئ سياسي بالسويد
Cet article a été publié dans Non classé. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s