الحلقة الثالثة (3/3 ) والأخيرة – إحياء ذكرى الشيخ محمد الخضرحسين رحمه الله

بسم الله الرحمان الرحيم 

السبيل أونلاين- يحي ذكرى الشيخ محمد الخضرحسين رحمه الله

الحلقة الثالثة (3/3 ) والأخيرة
الـود والإخـاء بيـن الإماميـن:
الإمام محمد الخضر حسين والإمام محمد الطاهر بن عاشور

بقلم : الاستاذ ابراهيم بلكيلاني 

تمهيــــــــــــد:

ما ذُقت طعم الذلِّ لكن أعافـه كما عِفت سمًّا في فم الصِّلِّ ناقـعا
وأرتدي بالكبرِ أسحب ذيلــــه و لو جاء في أسمى الأمانيِّ طائـعا
( الإمام محمد الخضر حسين)

لم تنجب تونس علمين بارزين في القرن العشرين، قدما إنتاجا علميا فريدا وذاع صيتهما ونال من الشهرة ما لم ينله أحد دونهما إلى مرحلتنا هذه، مثل الإمامين: محمد الحضر حسين ومحمد الطاهر ابن عاشور. كانا غزيرا الإنتاج، ثاقبا النظر، لهما مدد يتواصل بعد حياتها عقود وعقود..

الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله 

نالت مؤلفاتهما من الشهرة والانتشار الواسع، درجات عالية. وألف فيهما الكتب العديدة. ولكن في تقديرنا لم يخصص النظر في العلاقة بين الإمامين بدارسات مستقلة. وبمناسبة ذكرى وفاة الإمام محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر رحمه الله، نحيي ذكراه العطرة بالكتابة في العلاقة الحميمة التي كانت تربطه بالإمام العلامة محمد الطاهر بن عاشور، طيب الله ثراه 

 

الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله

وقد شهد الشعر على هذه العلاقة بأبلغ العبارات و أدقها نورد منها اللقطات التالية:

اللقطة الأولى:

يذكر الإمام محمد الخضر حسين بأنه حظي بصديقين لا يوجد في قلبه أعز منهما، الأول أحمد تيمور باشا الذي وجد عنده العون وروح الأنصار عندما خرج من تونس، ولذلك كانت وصيته أن يدفن قربه في مقبرة آل تيمور. والثاني هو العلامة الإمام محمد الطاهر بن عاشور الذي باعد ظلم الاستعمار بينهما:
تقاسم قلبي صاحبان وددت لو تمَلتهما عيناي طول حياتي
وعَللت النفس بالمنى فإذا النوى تعُل الحشى طعنا بغير قناة
فأحمد في مصر قضى ومحمد بتونس لا تحظى به لحظاتي
 

اللقطة الثانية:

وعندما سئل عن علاقته بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور، أجاب شعرا يقتر منه ندى الود والإخاء الصافي:
أحببته ملء الفؤاد وإنمـــــا أحببت من ملأ الودادَ فؤادُه
فطفرت منه بصاحب إن يدْر مــا أشكوه جافى ما شكوت رقادُه
ودريْت منه كما درَى مني فــتى عرفَ الوفاء نجادُه ووهادُه
 
 

اللقطة الثالثة:

وفي محرم 1322هـ الموافق لـ أبريل 1904، بادر الإمام محمد الخضر حسين إلى إصدار أول مجلة عربية في تونس، وكان لشيخنا محمد الطاهر بن عاشور خير مؤازر ومشارك، وقد أرسل إليه تقريظا لطيفا ينم عن علو همة وتقدير كبير بينهما: "إلى العلامة النحرير صديقي منشئ "السعادة العظمى" أيده الله تعالى، سلام وتحية و إجلال، كما يليق بذي قلم سعى بصريره في تقويم الأمة، وتأييد شرعة الحق، وأطلع لأهل لغتنا العربية شمسا طالما حجبها دونهم سحاب مركوم، وأعقب نهارها ليل عطل سماءه أفول البدر وإدبار النجوم 

اللقطة الرابعة:

وفي سنه 1331هـ سافر الإمام إلى دمشق، فجاشت قريحة الشيخ ابن عاشور شعرا رقراقا و كتب إليه:
"هذه كلمات جاشت بها النفس الآن عند إرادة الكتابة إليكم، فأبثها على علاتها، وهي وإن لم يكن لها رونق البلاغة والفصاحة فإنّ الود والإخاء والوجدان النفسي يترقرق في أعماقها
 

بعدتَ ونفسي في لقاك تصِــيدُ فلم يغن عنها في الحنان قصيدُ
وخلفت ما بين الجوانح غــصّة لها بين أحشاء الضلوع وقودُ
وأضحت أماني القرب منك ضئيلة ومُرّ الليالي ضعْفها سيزيد
أتذكر إذ ودعتنا صبح ليـــلة يموج بها أنس لنا وبرودُُُُُُ
وهل كان ذا رمزا لتوديع أنسِـنا وهل بعد هذا البيْن سوف يعودُ
ألم تر هذا الدهر كيف تلاعــبت أصابعه بالدرّ وهو نضيدُ
إذ ذكروا للودّ شخصا محافــظا تجلى لنا مرآك وهو بعيدُ
إذا قيل من للعلم والفكر والتقى ذكرتك إيقانا بأنك فريد
فقل لليالي جددي من نظامــنا فحسبك ما قد كان فهو شهيد

اللقطة الخامسة:

ولم يتأخر الجواب، وأتى أرقى شعرا وأدبا وبلاغة، وكأنهما في غير العالم الذي يعيشونه، فالإخاء الحق والود الذي يجمع بينهما كان من معين أشرِبَ روحانية ترفـعت بسموها عن مكبلات المادة: 

أينعم لي بال و أنت بعيد وأسْلو بطيف والمنام شريد
إذا أججت ذكراك شوقي أُخضلت لعمري- بدمع المقلتين- خدود
بعدت وآماد الحياة كثــــيرة وللأمد الأسمى عليّ عهود
بعُدت بجثماني وروحي رهيـــنة لديك وللودّ الصميم قيودُ
عرفتك إذ زرت الوزير وقد حـنا عليّ بإقبال وأنت شهيد
فكان غروب الشمس فجر صداقة لها بين أحناء الضلوع خلود
لقيت الوداد الدرّ في قلب ماجـدٍ وأصدق من يصفي الوداد مجيد
ألم ترم في الإصلاح عن قوس ناقد درى كيف يرعى طارف وتليد
وقمت على الآداب تحمي قديمها مخافة أن يطغى عليه جديد
أتذكر إذ كنا نباكر معـــهدا حميّاه علم والسّقاة أُسود
أتذكر إذ كنّا قرينين عـــندما يحين صدور أو يحين ورود
فأين ليالينا وأسمارها الـــتي تبلُّ بها عند الظِّماء كُبودُ
ليال قضيناها بتونس ليتـــها تعود وجيش الغاصبين طريد
 

اللقطة السادسة:

وعندما قدم الشيخ الإمام محمد الخضر حسين من الشام إلى مصر سنة 1339 هجري ، متشوقا إلى تونس ومن فارقهم من الأحبة والأصدقاء، لم ينس الشيخ الإمام أن يعرج بشعره على مدينة المرسى مقر العلامة محمد الطاهر بن عاشور، شوقا له:

يا شاطئ المرسى إلام الهـجود فُكَّ القيودَ
وكن كما كنتَ لعهد الجدود غِيل الأسود
 

اللقطة السابعة:

وعندما وُلِّي العلامة ابن عاشور التدريس في جامع الزيتونة بتونس سنة 1323هجري، هنّأه الإمام محمد الخضر حسين شعرا أيضا ونقتطف لكم مما قاله شعرا هذه الأبيات:

مساعي الورى شتّى وكل له مرمى ومسعى ابن عاشور له الأمد الأسمى
فتى آنس الآداب أوّل نشئـــه فكانت له روحا وكان لها جـسما
وما أدب الإنسان إلاّ عــوائـدُ تخطّ له في لوح إحساسه وسْمـــا
فتى شبّ في مهد النعيم ولم تــنل زخارفه من عزمه المنتضى ثلـــما
وفي بهجة الدنيا وخضرة عيشهــا غرور لباغي المجد إن لم يُفق حزمــا
وشاد على التحقيق صرح علومــه فما استطاع أعداء النبوغ له هـضما 
 

خاتمــة: أوصى بعدم نشر مذكراته:

هذا غيض من فيض، وإن أضأنا بعض جوانب هذه العلاقة الفريدة بين الإمامين، فهي بحاجة إلى إضاءات جديدة. وبهذه المناسبة نتوجه بشكرنا الجزيل إلى الأستاذ المحامي علي الرضا الحسيني، الذي رافق الإمام في مراحل عديدة من حياته، خاصة عندما تولي مشيخة الأزهر الشريف، وكان له الفضل الأكبر- بعد الله سبحانه وتعالى – في حفظ تراث الإمام، وإزالة الغبار عنه، وأعادة تنظيمه ونشره

وعندما سعدنا بلقائه – وكان الشوق يشدنا لسماع صفحات من حياة الإمام – ذكر لنا بأن عمه الإمام محمد الخضر حسين دوّن مذكراته ولكن أوصى بعدم نشرها، ولو نُشرت لربما أضافت الشئ الكثير لتاريخ تونس و للمنطقة عموما 

مسألتان:

وعندما طلب مني العزيز على قلبي الأخ خالد (جماعي) المساهمة في إحياء ذكرى وفاة الإمام بالكتابة في أية مسألة أراها مناسبة، كان يؤرقه سؤالان لم يجد إجابة مقنعة أو وافية عنهما:

يتعلق الأول بعدم نقل جثمانه الطاهرة إلى تونس عندما خرج المستعمر رغم مساعي السلطة في بداية تشكلها، ويتعلق الثاني بالأسباب الحقيقية لاستقالة الإمام من منصب مشيخة الأزهر الشريف

و في تقديري المتواضع بأن المسألة الأولى تتعلق بوصية الإمام بأن يوارى ثراه في مقبرة آل تيمور بجانب صديقه الحميم أحمد تيمور، وما كان لأهله من بعده إلاّ أن يبقوا أوفياء لهذه الوصية. ونسأل الله تعالى أن يسكنه وصاحبيه الجنان ويمن علينا بالرضا والقبول.

أما فيما يتعلق باستقالته من مشيخة الأزهر فقد كُتب فيها من العديد من العلماء والمؤرخين والمفكرين ونجملها في هذه العجالة:

1. يقول الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ".. ولما لم يمكن لكل ما أراد أن يطبق أبى إلاّ الاستقالة عن منصبه معتذرا بأنه ليس من الوفاء للحق أن يملأ منصبا دون أن يملك أن يعطيه حقه"

2. ويعلل الأستاذ كمال العريف استقالة الإمام بالمرض والحاجة إلى العلاج والاستجمام

3. أما الأستاذ محمد مواعدة فيعلل ذلك بكون مشيخة الأزهر "حالت دون تلقي العلم و كتابته " ولذلك استقال

4. ولكن يذهب أبو القاسم محمد كرو إلى أن الدسائس والمنافسات التي تحيط بهذه المهمة الحساسة دوما هي التي دفعت الإمام إلى الاستقالة

5. ورأي آخر يذهب إلى أن استبعاد اللواء محمد نجيب سياسيا، والذي كان صديقا وسندا للإمام، دفعه إلى خطو هذه الخطوة وهو مبرر كاف لاستقالته

والله خيـــر الوارثيــــــن

الشيخ محمد الطاهر بن عاشور(يمين) والشيخ محمد الخضر حسين

المصدر : السبيل أونلاين

Cet article a été publié dans Non classé. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s