الحلقة الثانية – إحياء ذكرى الشيخ محمد الخضرحسين رحمه الله

بسم الله الرحمان الرحيم

السبيل أونلاين- يحي ذكرى الشيخ محمد الخضرحسين رحمه الله

الحلقة الثانية من 3

جمع وتنسيق الأستاذ علي سعيّد 

الإمام الأكبر

نال الشيخ عضوية جماعة كبار العلماء برسالته القيمة "القياس في اللغة العربية" سنة (1950)، ثم لم يلبث أن وقع عليه الاختيار شيخا للجامع الأزهر في (16 سبتمبر 1952)، وكان الاختيار مفاجئًا له فلم يكن يتوقعه أو ينتظره بعدما كبر في السن وضعفت صحته، لكن مشيئة الله أبت إلاّ أن تكرم أحد المناضلين في ميادين الإصلاح، حيث اعتلى أكبر منصب ديني في العالم الإسلامي
تـولـى مـشـيـخـة الأزهـر وفـي ذهـنـه رسالة طالما تمنى قيام الأزهر بها، وتحمل هذا العبء بصبر وجد، وفي عهده أرسل وعاظ من الأزهر إلى السودان ولاسيما جنوبه، وعمل على اتصال الأزهر بالمجتمع وكان يـصـدر رأي الإسـلام في المواقـف الحاسـمـة

كتب أحمد عبد العزيز أبو عامر:
ولا أزال أذكر ما قصه علينا أستاذ أزهري كان آنذاك طالباً في أصول الدين إبان رئاسة الشيخ للأزهر،
حين دعا أحد أعضاء مجلس الثورة إلى مساواة الجنسين في الميراث، ولما علم الشيخ بذلك اتصل بهم وأنذرهم إن لم يتراجعوا عن ما قيل فإنه سيلبس كفنه ويستنفر الشعب لزلزلة الحكومة لاعتدائها على حكم من أحكام الله، فكان له ما أراد

وكان في ذهن الشيخ حين ولي المنصب الكبير وسائل لبعث النهضة في مؤسسة الأزهر، وبرامج للإصلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك، ولم تساعده صحته على مغالبة العقبات، فلم يلبث أن قدم استقالته لخلافه مع عبد الناصر بسبب إلغائه المحاكم الشرعية وإدماجها في القضاء الأهلي، وكان من رأيه أن العكس هو الصحيح، فيجب إدماج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي؛ وكانت استقالته في (7 يناير 1954)، ويذكر له في أثناء توليه مشيخة الأزهر قولته: "إن الأزهر أمانة قي عنقي أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأت أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من أن لا يحصل له نقص" وكان كثيرا ما يردد: "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز وعلى الدنيا بعدها العفاء
 

معركة التحرير مستمرّة
إنّ تعدد مسؤوليات الشيخ وأعباءه التي تنوء بها العصبة لم تصرفة عن قضايا بلده الرازح تحت نير الاحتلال البغيض فأسس سنة 1924 "جمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا" إلى جانب نخبة من الجزائريين والمغاربة والليبيين، وفي سنة: 1944 أسس صحبة مجموعة من أبناء المغرب العربي ما عرف بـ"جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية" التي رأسها الأمير عبد الكريم الخطابي

ولمزيد التعريف بالقضيّة التونسية في الشرق أصدر سنة 1948 كتابا يحمل عنوان: "تونس 67 عاما تحت الاحتلال الفرنساوي"، جاء فيه: "وحيث أن التونسيين قد حرموا في بلادهم من الحريات الأوّلية حريات التفكير والنشر والقول والاجتماع والتجول حتّى أن الخمس وستين سنة التي مرّت على الحماية قضى منها التونسيّون أكثر من عشرين سنة تحت الحكم العسكري العرفي والباقي تحت رقابة البوليس"
وأبرز فيه إيمانه العميق بالتعليم كرافعة لنهضة الأمم حيث أراده لكل التونسيين مسويا في ذلك بين الجنسين فعرض لحالة التعليم تحت الاحتلال مدعّما قوله بالأرقام:
"عدد البنين والبنات الذين هم في سن الدراسة من التونسيين 973700، عدد البنين والبنات الذين يزاولون الدراسة في مختلف الفصول والأقسام 71921، وبإجراء عملية بسيطة يتّضح أنّ الباقي وهو 901779 هو عدد أبنائنا وبناتنا الذين لا يجدون مدرسة يأوون إليها فهم يجوبون الشوارع ضحية الجهل يتلقون دروس الإجرام وانحطاط الأخلاق ليصبحوا بعد ذلك سوسا ينخر جسم هذا المجتمع الذي يحاربه الاستعمار بالفقر والجهل وكفى بها معاول للهدم والتحطيم…"
وكشف فيه عن تعلّقه بأسباب التقدّم والاستنارة فقال متحدّثا عما فعله الاستعمار بالشعب التونسي:
"…كما اغتصبت منه موارد الثروة وأقفلت في وجهه سبل الحضارة والرقيّ ومنعته من الاستنارة بنور العلم والمدنيّة…"
ثم واصل مبرزا إيمانه بالرأي العام الدولي الذي بدأ يتشكل غداة الحرب العالمية الثانية معتقدا في وجود منصفين وأصحاب ضمائر وإنسانيين عبر كل الأمم موجها إليهم النداء قائلا:
"إنّنا نضع هذه الحقائق أمام العالم المتمدّن عسى أن ينتبه ضميره ويشعر بمسؤوليّته خصوصا الدول التي قطعت على نفسها وعودا بذلك وقالت عن الحرب الأولى والثانية إنّها حرب الحريّة والدفاع عن حقوق الإنسان…"

مؤلّفاته
لم يخلف الشيخ رحمه الله تعالى وراءه من حطام الدنيا شيئًا، لكنه ترك ذكرى طيبة، وسيرة حسنة في ميادين السياسة والجهاد والقدوة الحسنة، وترك كنوزًا من الفكر شاهدة على عقله المبدع وجهده الدؤوب، تنوعت بتنوع اهتماماته العلميّة، بين القرآن وعلومه، و الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، والدعوة والإصلاح والتربية، والمقاصد، واللغة، والأدب، والتاريخ والتراجم…، سلاحه في كلّ ذلك بيانه الساحر، وقلمه السيّال الذي قلّما يوجد له نظير في العصور المتأخرة، بل إنه يضارع أرباب البيان الأوائل

ومن هذه المؤلفات:

1 ـ آداب الحرب في الإسلام
2 ـ أديان العرب قبل الإسلام
3 ـ أسرار التّنزيل.
4 ـ بلاغة القرآن
5 ـ تراجم الرّجال
6 ـ تعليقات على كتاب الموافقات للشّاطبي
7ـ تونس وجامع الزّيتونة
8 ـ تونس 67 عاما تحت الاحتلال الفرنساوي 1881- 1948
9 ـ الحرّيّة في الإسلام
10 ـ حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية
11ـ "خواطر الحياة": ديوان شعر جمعه بعض محبّيه
12 ـ الخيال في الشّعر العربي
13ـ دراسات في الشّريعة الإسلاميّة
14 ـ دراسات في العربيّة وتاريخها
15 ـ دراسات في اللغة
16 ـ الدعوة إلى الإصلاح
17 ـ الرّحلات
18 ـ رسائل الإصلاح: وهي في ثلاثة أجزاء، أبرز فيها منهجه في الدعوة الإسلامية ووسائل النهوض بالعالم الإسلامي.
19 ـ الشريعة الإسلامية صالحة لكلّ زمان ومكان
20 ـ القاديانية والبهائية
21- محمّد رسول الله وخاتم النبيين
22 – نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم
23- نقض كتاب الشّعر الجاهلي
24- هدى ونور
مع عدّة بحوث ومقالات نشرت في "السّعادة العظمى" و"الأزهر" و"نور الإسلام" و" لواء الإسلام" و"الهداية الإسلامية"…
 

وإليك بعض ما قاله الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي رحمه الله في بيان رأيه في كتب ستة قرأها للشيخ الخضر، وهي: تونس وجامعة الزيتونة، وبلاغة القرآن، ورسائل الإصلاح، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، والخيال في الشعر الجاهلي.
قال الشيخ عبد الرزاق رحمه الله:

(( بيان عن هذه الكتب جملة في أمور مشتركة بينها:

‌أ – تشترك هذه الكتب الستة في قوة الأسلوب، وعلوه، مع سلاسة العبارة، ووضوحها، وسمو المعاني، ودقتها، وإصابة الهدف من قرب بلا تكلف فيها، ولا غموض، ولا حشو، ولا تكرار

‌بتشترك في الدلالة على سعة علم المؤلف، وتضلعه في العلوم العربية، والاجتماعية، والدينية، واستقصائه في بحثه، وفي نقاشه لآراء مخالفيه، وأدلتهم، واعتداله في حكمه، وفتاويه

‌ج – يتمثل فيها نزاهة قلم المؤلف، وحسن أدبه، ونبل أخلاقه
لكن لم يمنعه ذلك أن ينقد الملحدين، ومَنْ انحرفَ به هواه عن الجادة، والصراط المستقيم نقداً لاذعاً لا يخرج به عن الإنصاف، ولا يتجاوز حد الأدب في المناقشة؛ رعاية لحق مخالفيه، وصيانة لعلمه ولسانه عما يشينه، وسيراً مع الكتاب والسنة وآدابهما في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فلا جهل، ولا سفاهة، إنما يقابل سيئة خصمه وسبَّه بالحسنة، وغض الطرف عنها

‌د – ويتمثل فيها الصدع بالحق، والكفاح عنه بحسن البيان، وقوة الحجة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، لا يخشى في ذلك لَومة لائم، عماده في ذلك كتاب الله، وسنة رسوله، ودليل العقل، وشاهد الحس، والواقع مع ذكر الشواهد من اللغة، والقضايا التي جرت في العالم

وفاته رحمه الله
وبعد استقالته من مشيخة الأزهر استمر الشيخ إلى أواخر حياته يلقي المحاضرات ويمد المجلات والصحف بمقالاته ودراساته الـقـيمة، بالرغم مما اعتراه من كبر السن والحاجة إلى الراحة وهذا ليس غريباً عمن عرفنا مشوار حياته المليء بالجد والجهاد والاجتهاد

قال رحمه الله في مرضه:

أطلّ عليّ الموت من خلل الضنا * فآنست وجه الموت غير كئيب
ولو جسّ أحشائي لخلت بنانه * وإن هال أقواما بنان طبيب
فلا كان من عيش أرى فيه أمّتي * تساس بكفي غاشم وغريب

ولبى نداء ربه في مساء الأحد (13 من رجب 1377هـ الموافق لـ 3 من فبراير 1958م)، فشيَّعه العلماء وعارِفُو فضله ونضاله في مشهد مهيب ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، ونعاه العلامة محمد علي النجار بقوله: "إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره إلاّ في النّدْرَى، فقد كان عالما ضليعا بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصد الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظا على العروبة والدين، يردّ ما يوجه إليهما وما يصدر من الأفكار منابذًا لهما، قوي الحجة، حسن الجدال، عف اللسان والقلم …".
فلا تنس أيّها القارئ الكريم شيخنا من دعواتك في سجودك، عسى أن ينفعك الله بذلك وينفعه، فقد كان حريصا على أن يعلّمنا أنّ الدعاء للميت خير من تأبينه فقال كأروع ما يقال في هذا المعنى:
 

تـسائلني هل في صحابك شاعرٌ * إذا مـت قـال الشعر وهو حزينُ
فـقلت لـها: لا همَّ لي بعد موتتي * سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وما الشعر بالمغني فتيلاً عن امرئ * يـلاقي جـزاءًا والـجزاءُ مُهين
وإن أحظ بالرُّحمى فماليَ من هوىً * سـواها وأهـواء النفوسِ شجون
فَـخَلِّ فـعولنْ فـاعلاتنْ تقال في * أنـاس لـهم فـوق التراب شؤون
وإن شـئت تـأبيني فدعوةُ ساجدٍ * لـها بـين أحـناءِ الضلوع حنينُ
 

رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام خير الجزاء

—————————–
مصادر البحث :

* أنور الجندي : الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا – الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة – (1385هـ= 1965م).
* علي عبد العظيم: مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن – مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة – (1399 هـ= 1979م).
* محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين – دار القلم – دمشق – (1415 هـ= 1995م).
* محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عاما – مطبوعات مجمع اللغة العربية – القاهرة – (1406هـ= 1986م)
* محمد علي النجار: كلمة في تأبين الشيخ محمد الخضر حسين – محاضر جلسات مجمع اللغة العربية – الجزء الحادي والعشرون.
* محمد عبد المنعم خفاجى – "الأزهر في ألف عام" – عالم الكتب – ببيروت –1988 م
* محمد عمارة – "معركة الإسلام وأصول الحكم" – دار الشروق – القاهرة – 1989م

بعض الروابط التي جمعت منها مادة الدراسة:

1- الخضر حسين: يكفيني كوب لبن وكسرة خبز- أحمد تمام
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/03/article16.SHTML
2- الشيخ محمد الخضر حسين – أحمد عبد العزيز أبو عامر
http://www.islamweb.net/ver2/archive/readArt.php?id=10389
3- بعض ملامح الحسّ التحرّري لدى العلاّمة محمد الخضر بن الحسين.1876/ 1958- خالد العقبي
http://www.tunisnews.net/25jan08a.htm
4- محمد الخضر حسين..المجاهد بالقلم
http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=1306&SecID=456
5- الشيخ العلامة محمد الخضر حسين

http://www.toislam.net/files.asp?order=3&num=1058&per=1050&kkk

6 – الصداقة عند الشيخ محمد الخضر حسين
http://www.toislam.net/files.asp?order=3&num=1059&per=1050&kkk=

والله خيـــر الوارثيــــــن

المصدر : السبيل أونلاين

Cet article a été publié dans Non classé. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s